سياسة

نيويورك تايمز: الحرب الأمريكية ضد إيران ليست حرب الصين ولكنها تستعد لها منذ عقود

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ألكسندر ستيفنسون وميرفي جاو، قالا فيه إن الصين أعدت نفسها، ومنذ وقت طويل، للحرب الأمريكية ضد إيران، مع أنها ليست حربها.

وقالا إن “صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط فاجأت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. لكن بكين كانت تستعد لمثل هذه الأزمة لسنوات، فقد خزنت الصين كميات هائلة من النفط، وسعت بقوة نحو مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، ما أدى إلى انخفاض طلبها على النفط المكرر والديزل والبنزين، كما وظفت التكنولوجيا لتقليل اعتمادها على المواد الخام المستوردة التي تدخل في الإنتاج الضخم لمصانعها”.

وأضافت الصحيفة أن “الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لطالما اعتبر صناعاته أساس استراتيجيته للأمن القومي، وقد عزز هذا النهج ووسعه منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، حيث ضاعفت الصين جهودها في سياسات بناء الصناعات المحلية، مما عزز بدوره هيمنتها العالمية على الموارد وسلاسل التوريد”.

ويقول هيواي تانغ، مدير “معهد آسيا العالمي” بجامعة هونغ كونغ: “شهدنا المزيد من السياسات الصناعية المركزية، والمزيد من التوجيهات من الحكومة المركزية لتطوير قطاعات استراتيجية معينة ترى الصين أنها بحاجة إلى تعزيزها لكي لا تخضع لسيطرة القوى الغربية”.

وكانت الطاقة هي الركيزة الأساسية، فقبل عقد من الزمن، كانت الصين أكبر سوق في العالم لسيارات تستخدم الوقود الأحفوري، وكانت في السابق أكبر مستورد للمواد البتروكيماوية، وهي المواد الخام المشتقة من النفط والتي تستخدم في صناعة البلاستيك والمعادن ومكونات المطاط وغيرها من المكونات الأساسية في السلع التي تنتجها مصانعها.

أما الآن، فهي تعتمد في الغالب على الفحم المحلي لإنتاج بعض المواد الكيميائية، مثل الميثانول والأمونيا الاصطناعية، وكان للتخطيط والاستثمار الحكوميين دور حاسم في تحقيق هذه التطورات.

ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الرئيسي لتدفق النفط إلى آسيا، بشكل شبه كامل، أثبتت الصين حتى الآن مرونة تفوق مرونة معظم دول العالم.

وتستطيع الصين الآن تشغيل العديد من سياراتها وقطاراتها بالكهرباء، مما يقلل اعتمادها على النفط بشكل كبير. كما طورت الصين استخدام الفحم الحجري، بدلا من النفط، لإنتاج المواد البتروكيماوية. وقد طورت هذه التقنية ألمانيا واستخدمتها لدعم اقتصادها خلال الحرب العالمية الثانية، وباتت تمنح بكين بديلا للنفط في إنتاج المواد الخام التي تحتاجها مصانعها.

وقدمت فيتنام والفلبين، اللتان تواجهان نقصا حادا في النفط ومصادر الطاقة الأخرى، الصين طلبا للمساعدة الشهر الماضي. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن “الصين على أتم الاستعداد لتعزيز التنسيق والتعاون مع دول جنوب شرق آسيا ومعالجة قضايا أمن الطاقة بشكل مشترك”. وعادة ما اهتمت بقضية اعتمادها على مصادر الطاقة والمواد الأجنبية والبحث عن سبل لحلها.

وفي بداية القرن الحادي والعشرين، انتاب المسؤولين قلق بشأن ممر ضيق آخر يمر عبره النفط إلى الصين: مضيق ملقا، الذي يفصل إندونيسيا وماليزيا عن سنغافورة. وفي عام 2004 أنشأت الصين مخزونا طارئا من النفط لمعالجة هذه المخاوف.

وفي الأشهر الأخيرة، كثفت جهودها لزيادة هذا المخزون. وبينما كانت الصين تتحول إلى قوة صناعية عالمية في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، احتاجت إلى شركات كيميائية أجنبية مثل دوبونت وشل وباسف لإنشاء مصانع لتزويد مصانعها بالمواد الكيميائية اللازمة.

وفي السنوات الأخيرة، باتت الشركات الصينية تهيمن على جزء كبير من الإمدادات الكيميائية العالمية. فعلى سبيل المثال، يصنع في الصين ثلاثة أرباع البوليستر والنايلون في العالم. ومع ذلك، لا تزال الصين أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم، حيث تستورد ثلاثة أرباع احتياجاتها النفطية. ورغم أن بكين لا تفصح عن حجم احتياطياتها، فقد ارتفعت وارداتها من النفط الخام بنسبة 4.4% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، بينما نما استهلاكها بنسبة 3.6%، وفقا للحكومة الصينية.

ولكن بعد مليارات الدولارات من الدعم المباشر لمصنعي السيارات الكهربائية، ومئات المليارات من الدولارات التي استثمرت في مصادر الطاقة المتجددة، بدأت جهود الصين تؤتي ثمارها. فقد انخفض الطلب على النفط المكرر والبنزين والديزل لعامين متتاليين، ما دفع الخبراء إلى التنبؤ بأن استهلاك الصين من النفط والغاز قد بلغ ذروته.

وفي الوقت نفسه، يتزايد استهلاك الصين من النفط في قطاع البتروكيماويات مع تعزيزها لسلاسل الإمداد. وقد ازدهرت الصناعة الصينية بفضل استثمارات الحكومة الضخمة، وتوفيرها للقروض الميسرة، وتشجيعها للجامعات على التخصص في الهندسة الكيميائية، كما قال يورغ ووتكه، الذي شغل منصب الممثل الرئيسي لشركة باسف الألمانية للصناعات الكيميائية في الصين لمدة 27 عاما. وقد تسارعت هذه الجهود في عهد شي جين بينغ، الزعيم الصيني الأعلى، وخلال ولاية ترامب الرئاسية الأولى.
ويقول ووتكه، الشريك الحالي في مجموعة دي جي إيه-ألبرايت ستونبريدج الاستشارية: “كل ما يفعله ترامب يحفز بكين على الاعتماد على الذات بشكل أكبر”. وخلال ولايته الأولى، واجه ترامب الصين في قضايا اقتصادية وتجارية، مما أشعل حربا تجارية ومواجهة تكنولوجية. وقد أثار نهج ترامب التصادمي تجاه الصين مخاوف جدية.

وبدأ القادة الصينيون بإرسال إشارات. ففي عام 2019، دعا لي كه تشيانغ، رئيس الوزراء آنذاك، الصين إلى استخدام الفحم لتوليد الكهرباء والمواد الكيميائية، في إطار جهودها لتقليل اعتمادها على النفط المنقول بحرا. وكان ذلك بمثابة تحول عن تركيز الصين على التخلص من الفحم.

وبحلول أواخر عام 2020، ومع انتشار كوفيد-19، وما نتج عنه من اضطرابات كبيرة في الشحن والتجارة العالمية، وتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، أصدرت الصين خارطة طريق رسمية، نسبت إلى الرئيس شي جين بينغ، لكيفية تجاوز هذه الفترة المضطربة.

وقد نشر النص في مجلة “كويشي”، وهي المجلة الأيديولوجية الرائدة للحزب الشيوعي، وكان بمثابة دعوة للصناعات الصينية للتركيز على تطوير تقنياتها بوتيرة أسرع من منافسيها في الخارج لتحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية الصين من اضطرابات سلاسل التوريد. ويقول لوري ميليفيرتا، أحد مؤسسي مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، وهو منظمة بحثية مستقلة، والذي يتابع تزايد استخدام الصين للفحم في صناعة البتروكيماويات: “كانت ولاية ترامب الأولى بمثابة شرخ واضح غير حسابات الصين الجيوسياسية، وأعاد إحياء مخاوف قديمة”. ويضيف ميليفيرتا: “لقد تحدث شي جين بينغ نفسه عن مرونة سلاسل التوريد، وهو ما ساهم في ازدهار صناعة البتروكيماويات”. وسمحت هذه التوجيهات من أعلى المستويات للصناعة بالتوسع وبناء مصانع تستخدم الفحم بدلا من النفط في صناعة البتروكيماويات.

وفي عام 2020، استخدمت الصين ما يعادل 155 مليون طن من الفحم القياسي في صناعة المواد الكيميائية، وبحلول عام 2024، بلغ استهلاكها من الفحم 276 مليون طن. وبحلول عام 2025، ارتفع هذا الرقم بنسبة 15% أخرى، متجاوزا بذلك إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من الفحم، البالغ 230 مليون طن.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى